محمد طاهر الكردي
215
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
( الثالثة ) لم تبق للأنبياء عليهم الصلاة والسلام كتبهم وصحفهم التي أنزلها اللّه تعالى عليهم بعد موتهم وإن بقي منها شيء وهو التوراة والإنجيل ، فإن اليهود والنصارى حرفوهما وبدلوا فيهما بحسب أهوائهم كما صرح بذلك القرآن الكريم . أما كتاب نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم الذي أنزله اللّه تعالى عليه وهو القرآن العظيم فإنه باق على صحته وسلامته كما أنزل إلى اليوم بل وإلى قيام الساعة . وإنه لم يحصل عليه شيء من التغيير والتحريف لا في حرف ولا في كلمة ولا في تقديم ولا في تأخير ، فلقد تكفل اللّه عز وجل بحفظه كما أخبرنا به في أوائل سورة ( الحجر ) بقوله : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ فما أعظمها من آية بينة وما أعظمها من تشريف وحكمة . ( الرابعة ) أن جميع الأنبياء ، عليهم الصلاة والسلام ، لم تحفظ أقوالهم وسننهم ولم تدون أحوالهم وتواريخهم - اللهم إلا النزر القليل الذي لا يغني الباحث المحب ولا ينفع غلة الغليل - وغالب ما جاء فيهم إنما هو من أخبار خاتم النبيين عليه وعليهم الصلاة والسلام أجمعين - أما أقوال نبينا الكريم " محمد " صلى اللّه عليه وسلم ، وأحواله وأفعاله وسننه وعبادته وصفاته وشمائله وأخلاقه ومكارمه وحروبه وغزواته وفتوحاته وتاريخ حياته الشريفة ، بل وحياة أصحابه الكرام ، فإن كل ذلك ثابت ومدون بالتفصيل التام والتحقيق الدقيق في كتب الحديث والتفسير والمناقب والسير بالأسانيد الصحيحة ، عن الثقات العدول الذين لا يتطرق إليهم الشك ولا تحوم حولهم الريب . وما أعظم كتب الأحاديث الصحاح الحاوية لأقوال وأحوال خاتم رسل اللّه ، صلوات اللّه وسلامه عليه وعليهم أجمعين . وما أكثر كتب السير المعتمدة الخاصة بتاريخ حياة نبينا " محمد " صلى اللّه عليه وسلم ، نثرا ونظما وبتاريخ الصحابة والتابعين وغيرهم . لم يوضع شيء من مثل ذلك عن الأنبياء الكرام ، عليهم الصلاة والسلام ، فإنه بموتهم وموت أصحابهم وحواريهم اندرست سيرهم العطرة وتاريخ حياتهم الشريفة - ما عدا بعض الأمور الحقيقية الصادقة التي أخبر اللّه عز وجل بها في كتابه العزيز أو أخبر بها نبينا الكريم صلى اللّه عليه وسلم ، نعم قد توجد نبذ قصيرة وشذرات صغيرة ونتف قليلة عند اليهود والنصارى عن النبيين العظيمين موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام ، لكن لا يعول عليها لاحتمالها الصدق والكذب ، فإذا كانوا يحرفون الكلم عن مواضعه في الكتب السماوية ، فهم لغيرها أكثر جرأة